الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
395
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
وقد قرأ الإمام الغزالي كتب الصوفية أنفسهم ، ويحدثنا بذلك ، فيقول : « فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم ، مثل ( قوت القلوب ) لأبي طالب المكي رضي الله عنه وكتب الحارث المحاسبي ، المتفرقات المأثورة عن الجنيد ، والشبلي ، وأبي يزيد البسطامي رضي الله عنهم وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل عن طريقهم بالتعليم والسماع » . ولكن ذلك لم يجعل منه صوفياً ، ولم يكن الإمام الغزالي بهذه الكتب ولا بمطالعته لفلسفة اليونان ودراسته لها دراسة عميقة صوفياً ، ولكنه تبين أن أخص خواصهم على حد تعبيره ما لا يمكن الوصول إليه بالتعليم بل بالذوق والحال ، وتبدل الصفات . وليس التصوف إذن ثقافة كسبية تتأثر بهذا الاتجاه أو ذاك ، وإنما هو ذوق ومشاهدة ، يصل الإنسان إليهما عن طريق الخلوة ، والرياضة ، والمجاهدة ، والاشتياق بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر الله تعالى . . . وهذا هو جوهر الشعور الصوفي . أخص خصائص التصوف : شعور لا يمكن التعبير عنه ، فإن الإنسان يصل فيه إلى درجات يضيق عنها نطاق الكتابة ، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها ، إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح ، لا يمكنه الاحتراز عنه . والذي لابسته تلك الحالة على حد تعبير الإمام الغزالي لا ينبغي أن يزيد على أن يقول : وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر المشاهد الصوفية إذن ، ليست ثقافة كسبية ، وإذن لا يتأتى التحدث عن مصادرها الخارجية أياً كانت هذه المصادر - ووضع المسألة مسألة مصادر التصوف إذن موضع البحث ، والنظر ، والدراسة : إنما هو وضع خطأ ، لا يفعله ، ولا يقوم به إلا من لا يفهم التصوف ولم يسهم في تذوقه بقليل ولا بكثير .